في ظل التحوﻻت المتسارعة التي يعرفها المغرب، وما تفرضه تحديات التحول الرقمي وتحديث اﻹدارة واقتصاد المعرفة من حاجة متزايدة إلىكفاءات مؤهلة وقادرة على مواكبة التغيير، يرى عميد كلية العلوم والتقنيات بسطات التابعة لجامعة الحسن اﻷول أن التكوين حسب التوقيت الميسر لم يعد مجرد صيغة لتنظيم الدراسة خارج أوقات العمل، بل أصبح اختياراً مجتمعياً يكرس التعلم مدى الحياة، ويعزز اﻹنصاف وتكافؤ الفرص، ويفتح أمام الموظفين واﻷجراء والمهنيين فرصاً جديدة لتطوير مؤهلاتهم ومواصلة مسارهم العلمي والمهني دون التخلي عن التزاماتهم.
إن التحوﻻت التكنولوجية واﻻقتصادية المتسارعة، وخاصة في مجاﻻت الرقمنة والذكاء اﻻصطناعي وتحليل البيانات والهندسة والتدبير، تجعل منالصعب اليوم تصور مسار مهني يمتد لعقود اعتماداً فقط على المعارف المكتسبة في بداية الحياة الجامعية. ومن هنا، أصبح التكوين مدى الحياة ضرورة وليس ترفاً، وأصبحت الجامعة مطالبة بأن ترافق المواطن في مختلف مراحل مساره المهني.
التوقيت الميسر… اﻹنصاف وتكافؤ الفرص
إن الموظف الذي يؤدي مهامه طيلة اﻷسبوع ﻻ يتوفر على الشروط الزمنية نفسها التي يتوفر عليها الطالب المتفرغ. ولذلك فإن إتاحة إمكانية الدراسةخارج أوقات العمل أو خلال نهاية اﻷسبوع ﻻ ينبغي اعتبارها امتيازاً، وإنما وسيلة عملية لتحقيق قدر أكبر من تكافؤ الفرص في الوصول إلى المعرفة.
فاﻹنصاف وتكافؤ الفرص ﻻ يعنيان بالضرورة وضع الجميع أمام الظروف نفسها، وإنما يقتضيان توفير الشروط التي تسمح لمختلف الفئات باﻻستفادة من الفرص المتاحة، مع مراعاة خصوصية أوضاعها والتزاماتها..
ومن هنا تأتي فلسفة التوقيت الميسر :تكييف الزمن الجامعي مع الوضعية المهنية للمستفيد، مع الحفاظ على جودة التكوين ومتطلباته اﻷكاديمية.
فالتيسير يتعلق أساساً بتنظيم الزمن، وليس بجوهر التكوين. ويظل الحرص على جودة البرامج والتأطير والتقييم والمواكبة البيداغوجية شرطاً أساسياً لنجاح هذه التجربة والحفاظ على قيمتها اﻷكاديمية.
إعطاء فرص جديدة للتعلم والتطور
إن إحدى أهم القيم التي يحملها هذا النموذج تكمن في إعطاء فرص جديدة للموظفين واﻷجراء والمهنيين الذين لم تسمح لهم ظروفهم أو التزاماتهم المهنية بمواصلة مسارهم الجامعي أو تطوير مؤهلاتهم في الوقت الذي كانوا يرغبون فيه.
فالعودة إلى الجامعة بعد سنوات من العمل ﻻ تعني العودة إلى نقطة البداية، بل تمثل انطﻼقة جديدة تجمع بين الخبرة المهنية المتراكمة والمعرفة اﻷكاديميةالمتجددة.
ومن هنا، يصبح التكوين الميسر فرصة لتطوير الكفاءات، وتجديد المعارف، ومواكبة التحوﻻت التي تعرفها المهن، وفتح آفاق جديدة للتطور العلمي والمهني.
إن الجامعة التي تمنح المواطن فرصة جديدة للتعلم تؤكد أن العلاقة بالمعرفة ﻻ ينبغي أن ترتبط بسن معين أو بمرحلة محددة من الحياة. فالمواطن قديكون طالباً في العشرين، وموظفاً في الثلاثين، وإطاراً يتحمل مسؤوليات أكبر في اﻷربعين أو الخمسين، وفي كل مرحلة يمكن أن تظهر حاجيات جديدة إلى المعرفة والتكوين .
وهذا هو جوهر التعلم مدى الحياة.
تثمين الموظف استثمار في اﻹدارة
إن تطوير كفاءات الموظفين ﻻ يمثل منفعة فردية فقط، بل يشكل استثماراً مباشراً في تحديث اﻹدارة والمؤسسات.
فالموظف الذي يعود إلى الجامعة بعد سنوات من الممارسة المهنية ﻻ يعود إليها من نقطة الصفر، وإنما يحمل تجربة ميدانية يمكن للمعرفة اﻷكاديمية أن تطورها وتثمنها. وعندما يكتسب مهارات جديدة في الرقمنة أو الذكاء اﻻصطناعي أو تحليل البيانات أو التدبير أو الهندسة أو الجودة، فإنه يعيدتوظيفها داخل المؤسسة التي يعمل بها.
وهكذا تتحول اﻻستفادة من التكوين من مشروع فردي لتطوير المسار المهني إلى استثمار جماعي في الرأسمال البشري الوطني.
وﻻ يمكن الحديث عن إدارة حديثة دون موظف قادر على مواكبة التحوﻻت. كما أن التحول الرقمي ﻻ يتحقق فقط من خلال اقتناء التجهيزات والمنصات،وإنما يحتاج قبل ذلك إلى موارد بشرية قادرة على استيعاب التكنولوجيا وتوظيفها بكفاءة.
ومن هنا، فإن تشجيع الموظفين على تطوير معارفهم ينبغي أن يكون جزءاً من رؤية وطنية أوسع لتحديث اﻹدارة وتحسين جودة الخدمات ورفع أداء المؤسسات.
المساهمة في تمويل التكوين لضمان الجودة واﻻستدامة
إن تطوير هذا النموذج وضمان استمراريته وجودته يقتضيان، بطبيعة الحال، تعبئة موارد بشرية وبيداغوجية وتقنية إضافية.
فالتكوين حسب التوقيت الميسر يتطلب تنظيماً يتلائم مع اﻻلتزامات المهنية للمستفيدين، وتعبئة للأساتذة واﻷطر اﻹدارية والتقنية، إلى جانب استعمال القاعات والمختبرات والتجهيزات والمنصات الرقمية ومختلف الخدمات المرتبطة بالتأطير والمتابعة.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى المساهمة المالية للمستفيدين باعتبارها إحدى آليات دعم هذا النموذج والمساهمة في توفير شروط جودته واستدامته، ضمن تصور يقوم على تقاسم المسؤولية واﻻستثمار في تطوير الكفاءات.
غير أن هذه المسؤولية ﻻ ينبغي أن تظل مرتبطة بالمستفيد وحده. فاﻹدارة أو المؤسسة أو المقاولة تستفيد بدورها من تطوير كفاءة مواردها البشرية، وهوما يفتح المجال أمام تطوير شراكات واتفاقيات مع الجامعات، وتشجيع المؤسسات المشغلة على المساهمة في تكوين موظفيها أو توفير التسهيلات اللازمة لهم.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يظل البعد اﻻجتماعي حاضراً، من خلال التفكير في صيغ للدعم أو التسهيلات أو اﻹعفاءات لفائدة بعض الفئات وفق معايير واضحة، حتى يقوم هذا النموذج على التوازن بين الجودة واﻻستدامة واﻹنصاف.
مسؤولية مشتركة بين الجامعة واﻹدارة والمقاولة
إن نجاح التكوين مدى الحياة يتطلب بناء علاقة جديدة بين الجامعة ومحيطها.
فالجامعة مطالبة باﻻستماع إلى حاجيات اﻹدارات والمؤسسات والمقاوﻻت وتطوير عروض تكوينية تستجيب للتحوﻻت الجديدة في سوق الشغل. واﻹدارات مطالبة بتشجيع موظفيها على تطوير قدراتهم. والمقاوﻻت مدعوة إلى اﻻستثمار أكثر في مواردها البشرية، فيما يتحمل المستفيد بدوره مسؤوليةتطوير معارفه وكفاءاته.
وهذا التصور يجعل الجامعة شريكاً حقيقياً في التنمية، وليس فقط مؤسسة تمنح تكويناً أولياً.
وفي هذا السياق، فإن ما راكمته جامعة الحسن اﻷول وكلية العلوم والتقنيات بسطات في مجال التكوين والتكوين المستمر واﻻنفتاح على المحيط السوسيو اقتصادي يشكل أرضية مهمة لتعميق هذا النموذج وتطويره، بما يستجيب لحاجيات المجتمع ويحافظ على الرسالة اﻷكاديمية واﻻجتماعية للجامعة العمومية.
الجامعة المغربية ورهان المستقبل
إن النقاش حول التوقيت الميسر يتجاوز في جوهره مسألة توقيت الدراسة، ليطرح سؤاﻻً أكبر حول الجامعة التي نريدها للمغرب مستقبلا.
فبعد أن نجح المغرب في توسيع الولوج إلى التعليم العالي، أصبح من الضروري توسيع مفهوم تكافؤ الفرص ليشمل كذلك إمكانية العودة إلى الجامعة في مختلف مراحل الحياة.
فالمواطن قد يكون طالباً في العشرين، وموظفاً في الثلاثين، وإطاراً يتحمل مسؤوليات مهنية أكبر في اﻷربعين، وفي كل مرحلة تظهر حاجيات جديدة إلى المعرفة والتكوين.
والجامعة الحديثة هي الجامعة القادرة على مواكبة هذه التحوﻻت.
إن المغرب الذي يراهن على الدولة اﻻجتماعية، وعلى تحديث اﻹدارة، والتحول الرقمي، واقتصاد المعرفة، يحتاج إلى جامعة أكثر انفتاحاً على المجتمع وأكثر قدرة على مرافقة المواطن طوال مساره المهني.
ومن هنا، فإن التكوين حسب التوقيت الميسر ليس مجرد ترتيب بيداغوجي، بل يمثل اختيارًا اجتماعياً وتنموياً يضع اﻹنسان في قلب اﻻستثمار العمومي.
فكل موظف نساعده على تطوير كفاءاته يمثل قيمة مضافة للإدارة، وكل مهني يطور معارفه يمثل قيمة مضافة للإقتصاد، وكل مواطن يجد إمكانية للعودة إلى الجامعة يمثل خطوة إضافية نحو مجتمع يقوم على المعرفة واﻻستحقاق وتكافؤ الفرص.
إن اﻻستثمار في التكوين هو، في النهاية، استثمار في اﻹنسان؛ واﻹنسان المؤهل يظل أهم رأسمال يمكن للمغرب أن يراهن عليه لمواجهة تحدياتالمستقبل.
كلية العلوم والتقنيات بسطات… تجربة في خدمة اﻻنفتاح والتكوين المستمر
وفي هذا اﻹطار، تندرج تجربة كلية العلوم والتقنيات بسطات بجامعة الحسن اﻷول ضمن رؤية تقوم على جعل المؤسسة الجامعية أكثر انفتاحاً علىمحيطها اﻻقتصادي واﻻجتماعي وأكثر تفاعﻼً مع حاجياته المتجددة. فقد راكمت الكلية، إلى جانب مهامها اﻷساسية في التكوين والبحث العلمي واﻻبتكار، تجربة مهمة في مجال التكوين المستمر واﻻنفتاح على اﻷطر والموظفين والمهنيين، مستفيدة من تنوع تخصصاتها العلمية والتكنولوجية والتدبيرية ومن كفاءاتها اﻷكاديمية وعلاقاتها مع مختلف الفاعلين المؤسساتيين والسوسيو اقتصاديين.
وتنسجم هذه الدينامية مع توجه جامعة الحسن اﻷول بكل مكوناتها نحو تعزيز دور الجامعة في خدمة التنمية ومواكبة التحوﻻت التي يعرفها المجتمع وسوق الشغل.
ومن هذا المنطلق، ﻻ تنظر الكلية إلى التكوين حسب التوقيت الميسر باعتباره نشاطاً موازياً لوظائفها الجامعية، بل امتداداً لرسالتها في نقل المعرفة، وتطوير الكفاءات، وخدمة المجتمع، والمساهمة في تثمين الرأسمال البشري, وهي رؤية تجعل من الجامعة فضاءً مفتوحاً ليس فقط أمام الطالب في بداية مساره، وإنما أيضاً أمام الموظف والمهني واﻹطار الراغب في تجديد معارفه وتطوير قدراته والمساهمة بكفاءة أكبر في تنمية مؤسسته ووطنه.
عميد كلية العلوم والتقنيات بسطات جامعة الحسن اﻷول
















