روبرطاج: رمان تماسين.. أكثر من 300 هكتار من بساتين الرمان في خبر كان بعد جفاف عيون المنطقة

هيئة التحرير
هنا سطات
هيئة التحرير17 فبراير 2021آخر تحديث : الأربعاء 17 فبراير 2021 - 1:58 مساءً
روبرطاج: رمان تماسين.. أكثر من 300 هكتار من بساتين الرمان في خبر كان بعد جفاف عيون المنطقة

موفدا “أخبار سطات” لجماعة الثوالث : هشام الأزهري وعبد الحميد كرام       

في غفلة عن الزمن، غصبا عن التضاريس والجغرافيا، تحققت نبوءة أنها الأشجار فقط من تموت واقفة بجماعة التوالث إقليم سطات، تراصت أشجار الرمان في مساحة واسعة على امتداد البصر وقد يبست فروعها واختفت أوراقها، على جداول لم يبق منها سوى أخاديد جافة لا تصلح سوى لاسترجاع صور من الزمن الجميل.

         هنا التوالث أرض رمان “تماسين” الذي رحل بجفاف عيون سقت بسخاء البشر والشجر لعقود، ولم يبق منه سوى حفر كانت إلى وقت قريب تسمى عيون، وجداول كانت شرايين تبعث الحياة في بساتين الرمان، وأشجار استسلمت لغدر الزمان و “ماتت واقفة”

         “أخبار سطات” زارت المنطقة، وتجولت في ما تبقى من بساتين للرمان، واستحضرت مع الأهالي حكايات اختلطت فيها النستالجيا بحقيقة أن المنطقة فقدت علامتها التجارية والحضارية “رمان تماسين”.

مائة عام من العزلة ” المستصاغة “

على بعد حوالي 20 كلم عن جنوب مدينة سطات، انتهت الأشغال في طريق اعتبرها الأهالي “إنجاز القرن” بسبب طول المعركة التي خاضتها أجيال من أجل “انتزاع” إصلاحها، وفك العزلة عن أجزاء هامة من قبائل اولاد بوزيري، معارك انضم اليها يهود مغاربة يحجون سنويا لموسمهم بمنطقة “ضاد” غير البعيدة عن جماعة التوالث”.

 من الواضح أن الطريق سهلت كثيرا الولوج للمنطقة عبر تيسير حركة مرور الأشخاص والسيارات، لكن بالجماعة القروية “الثوالت” يبدوا الفلاحون غير مكترثين بما اعتبره رئيس جماعتهم فكا للعزلة عن دواويرهم، يخبرنا “عبد الكريم ابو السير” فاعل جمعوي بالمنطقة بأن الساكنة تعيش وضعا مأساويا بعد أن جفت العيون ويبست أشجار الرمان، وتحولت بساتين واسعة إلى أطلال، “العزلة الحقيقية هي قلة الحيلة أمام وضع يتفاقم سنة بعد سنة، والسكان عاجزون عن التأقلم مع الوضع الجديد الذي فرض عليهم التحول من “منتجين رواد” لأجود أنواع فاكهة الرمان وطنيا (رمان تماسين)، إلى مياومين و”ممتهنين للنقل السري” – يضيف المتحدث ذاته. ويستطرد الفاعل الجمعوي في حديث “لأخبار سطات ” صحيح كانت المنطقة ولا تزال في حاجة لبنية تحتية تواكب نشاطاتها وتعزز انتاجها من الرمان، لكننا اليوم لا نفكر سوى في اندثار فاكهة كانت إلى وقت قريب بطلا محليا ووطنيا يجعل سكان المنطقة يحسون بالفخر لذكر اسمها مقرونا بمنطقتهم”.

بداية النهاية..

على بعد أمثار قليلة من الطريق الوطنية التي تخترق الجماعة، تتواجد “عين تماسين”، وهي أكبر عيون المنطقة واعتبرت إلى وقت قريب أسخاها من المياه، عند الاقتراب منها نكتشف بأنها تحولت إلى ما يشبه الحفرة الكبيرة بعد أن جفت من المياه، وتحولت جنباتها إلى أحراش، يخبرنا “بوشعيب خميلي” وهو رئيس لتعاونية رمان تماسين بأن نضوب العين بشكل كامل يعود لأكثر من تماني سنوات مضت، وعن الأسباب يأخذ “بوشعيب” نفسا عميقا ويأمر مرافقيه بحركة من يده بالصمت بعد أن تسابقوا لتعداد الأسباب، ” انطلقت الحكاية بحفر ابار مجاورة للعين من طرف بعض السكان، سرعان ما أصبح حفر الآبار موضة محلية بامتياز خصوصا وأن الأمر لا يستلزم استصدار رخص كما هو معمول به في هذا المجال، ليصل العدد التقريبي للآبار المحفورة في حدود 1000، الأمر الذي أثر في الفرشاة المائية وجعل العين تجف وهي التي كانت تؤمن سقي حوالي 300 هكتار من بساتين الرمان، وحوالي 400 “خيمة”، واليوم بعض جفاف العين نضبت مياه الآبار أيضا ليعم المشكل على الجميع بعد أن كان ترشيد وعقلنة استغلال العين من طرف الجميع كفيل بالحفاظ عليها والاستفادة من مياهها”.

رمان تماسين علامة متميزة

شكلت منطقة التوالث أرضية خصبة لإنتاج أرفع أنواع الرمان، وهو ما ذهبت إليه دراسة أنجزها الخبير الوطني “محمد ناصر”سنة 2014 حول رمان منطقة تماسين، اعتبرت بأن النمو العادي لشجرة الرمان يكون في المناطق ذات المناخ القاري الحار وشبه الجاف والمعتدل، وتتطلب علوا عن سطح البحر يصل إلى 1200 متر، كما تتحمل الجفاف والنقص في التساقطات المطرية أو في مياه السقي وغالبا ما يكون ذلك على حساب نموها وإثمارها، ومن أهم أصناف الرمان  التي كانت متداولة بالمنطقة، الزهري لونه أصفر ويزن ما بين 300 و350 غرام وإنتاجه تراوح بين 20 و25 كلغ بالنسبة للشجرة، النوع الثاني هو “السفري” ويزن 500 غرام، ونوع ثالث يسمى “الدجيبي” ويزن 350 غرام، وأضافت الدراسة بأن حاجيات شجر الرمان بالمنطقة هي حوالي 600 ملل أي ما يعادل 6000 متر مكعب من الماء في الهكتار، وأن الري المنتظم يسبب بزيادة كبيرة في الإنتاج.

         وإذا كانت الدراسة قد أوصت باتباع طريقة ري أشجار الرمان بالتنقيط، على اعتبار أنها من أفضل طرق الري إذ أن الشجرة تستفيد من المياه القليلة بشكل بطيء وشبه دائم كما أن نسبة ماء الري المفقودة بالتبخير شبه معدومة، فإن واقع الحال اليوم يقول بأن منطقة التوالث قد فقدت بشكل كامل أشجارها بفعل انعدام مياه السقي وليس قلتها.

حصة الأسد من المزروعات بالمنطقة

يعتبر المهندس الزراعي، “الحساني”، في حديث (لأخبار سطات)، أن زراعة الرمان قليلة التكاليف، ولا تحتاج إلى الكثير من الاهتمام والعناية والأيدي العاملة مقارنة مع الأشجار المثمرة الأخرى ، لافتاً إلى أن توفر المياه لري الأشجار هو الأكثر أهمية لهذه الزراعة، لأن نجاحها كمحصول اقتصادي يتوقف على توفر مياه الري الكافية.

وأضاف المتحدث ذاته أن “ما شجع الفلاحين على زراعة الرمان بمنطقة التوالث ، هو  توفرها في ما سبق على مصادر مهمة من المياه، مشيراً إلى أن الاهتمام بهذه الزراعة كمحصول اقتصادي انحسر خلال السنوات القليلة الماضية، كما انحسرت غيرها من الزراعات في المنطقة، بسبب جفاف العيون والآبار التي كانت تتكفل بتغطية الخصاص من هذه المادة الحيوية لمناطق شاسعة من الجماعة.

وأشار المهندس الزراعي إلى أن “زراعة الرمان بالجماعة حسم  المنافسة مع زراعة الزيتون ، حتى باتت في أغلب المناطق تتفوق على زراعة أشجار الزيتون”، مبيناً أن الإقبال على زراعة الرمان دفع  ببعض المزارعين إلى إزالة أشجار الزيتون، وزراعة أشجار الرمان بدلاً منها، وذلك بسبب التكاليف العالية التي تحتاجها زراعة أشجار الزيتون، والأمراض التي تصيبها، إضافة إلى زيادة الطلب على ثمار الرمان نظراً لأهميتها الغذائية.

دموع  في عيون جافة ..

على بعد أمثار قليلة من العين الرئيسية بالمنطقة تناثرت عيون أخرى، لم يكن حظها أفضل، وتحولت بدورها إلى أطلال، يخبرنا “حميد”، وهو من أبناء المنطقة بأن عين “حمام”كانت لها وظيفة تتجاوز سقي محصول الرمان وتوريد الماشية، إلى لحظات لتوثيق الأفراح والمسرات، فالمكان كان إلى وقت قريب يحتضن طقسا تواتره الأبناء عن الآباء، فبمناسبة كل حفل زفاف بالمنطقة ينتقل العريس رفقة أصدقائه لأخذ حمام بارد من العين تحت أهازيج احتفالية لأصدقائه ومرافقيه ورقص بين أشجار الرمان الوافرة، قبل الانتقال إلى “دار العرس”، ويتم توثيق هذه اللحظة والتي تعتبر جزء رئيسيا من طقوس الزواج بالمنطقة، لكن اليوم اختفى هذا الطقس بالمرة واختفت معه لحظات مرح جميل يتذكرها الأهالي بغصة وهم يشاهدون أمامهم جزء من ذاكرتهم الجماعية وقد ولى,

في حاجة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ..

حملت مذكرة عاملية وجهها عامل إقليم سطات للسلطات المحلية بالمنطقة تعليمات صارمة بعدم التساهل مع حفر الآبار العشوائية، وإخضاع الأمر برمته للقوانين الجاري بها العمل في هذا المجال، لكن واقع الحال بجماعة “التوالث” وبمنطقة “تماسين” على الخصوص يوضح بأن الأوان قد فات للتقنين مادامت أغلب الآبار قد جفت وجفت معها عيون المنطقة، وطوى السكان صفحة محاولة التنقيب عن المياه بحفر المزيد من الآبار.          يعتقد “عبد الرزاق زاكي” الفاعل الجمعوي بالمنطقة بأن الوضع يستلزم إجراءات جذرية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أشجار الرمان، وأهمها اقتناع المسؤولين بأهمية الحفاظ على هذه الفاكهة المباركة، وإيمانهم بأنه بإمكانها أن تشكل مصدر جذب وطني وتوفير فرص شغل قارة مباشرة وغير مباشرة لسكان المنطقة، كما بإمكانها تشجيع الصناعة الغدائية نظرا للاهتمام الذي أضحت تشكله في صنع العصائر والأدوية والزيوت، ويضيف الفاعل الجمعوي بأن الجميع بمنطقة “التوالث” مقتنع بأن الوقت لم يفت بعد من أجل إعادة عجلة إنتاج الرمان شرط القيام بإجراءات شجاعة من قبيل ربط المنطقة بنهر أمر الربيع الغير بعيد نسبيا عنهم، ويعتقد “الزاكي” بأن الكرة في ملعب وزارة الفلاحة والتي بإمكانها إعادة الحياة للدورة الفلاحية والاقتصادية بالمنطقة.     

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.