في كل محطة انتخابية، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات التشريعية، تتكشف وجوه أخرى للعلاقات الإنسانية والسياسية، حيث تتحول الصداقة إلى اختبار حقيقي، وتذوب الشعارات أمام حرارة المصالح.
ففي الكواليس، حيث لا تُنقل الكاميرات ولا تصل التصريحات الرسمية، تدور معارك صامتة بين من يطمحون لخوض غمار الاستحقاقات، ومن يُظهرون الدعم والمساندة، بينما في الخفاء ينسجون خيوط تحالفات موازية مع أطراف أخرى. هنا، لا مكان للعاطفة ولا للاعتبارات الشخصية، بل المصلحة هي الفيصل، وهي التي تُحدد مواقع الأقدام.
أشخاص كانوا إلى وقت قريب يجلسون في المقاهي، يتبادلون أطراف الحديث حول العمل السياسي، ويحلمون بوحدة الصف لتحقيق نتائج مشرفة، سرعان ما تفرّقهم حسابات التزكية، فيتحول كل واحد منهم إلى مشروع مرشح مستقل بذاته، يسعى لضمان موقعه بأي طريقة ممكنة، حتى وإن كان ذلك على حساب الحزب أو رفاق الأمس.
التزكيات، التي يُفترض أن تُبنى على الكفاءة والقدرة على الترافع وخدمة قضايا الوطن، أصبحت في كثير من الأحيان رهينة لمن يملك القدرة المالية الأكبر، في مشهد يُكرّس واقعاً مؤلماً يُغلب المال على الفكر، والنفوذ على الكفاءة. وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول معايير الاختيار داخل عدد من الأحزاب، بين ما يُقال في الخطابات الرسمية عن النزاهة والاستحقاق، وما يُمارس فعلياً على أرض الواقع.
وفي خضم هذا المشهد، تبرز حاجة ملحّة لا يمكن تجاهلها: إن بلادنا في أمسّ الحاجة إلى كفاءات علمية حقيقية، حاصلة على شواهد، تمتلك رؤية ومعرفة وقدرة على التحليل واتخاذ القرار، لا إلى وجوه تفتقر لأبسط أدوات الفهم والتدبير، فتزيد الطين بلة وتعمّق أزمات قائمة بدل معالجتها.
فلا أحد ينكر أن من يمتلك المعرفة الحقيقية بقضايا الوطن، والقدرة على الترافع وجلب الاستثمار وخدمة الصالح العام، هو الأجدر بحمل مسؤولية التمثيل، لا من يعتمد فقط على سلطة المال ونفوذه.
وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة مرة: في زمن الانتخابات، تسقط الأقنعة، وتُختبر النوايا، ويكتشف الجميع أن “الخاوة حدّها الدنيا… والصُّحبة حدّها الانتخابات”.
















