تتجدد معاناة ساكنة مدينة البروج ومعها مختلف مناطق بني مسكين الشرقية والغربية، مع توقف أشغال بناء مستشفى القرب بالبروج مرة أخرى، في مشهد يعيد إلى الواجهة سؤال الالتزام بالآجال المحددة لإنجاز المشاريع الصحية، ومدى قدرة الجهات المعنية على ضمان استمرارية الأوراش التي تعوّل عليها الساكنة لتحسين ظروف عيشها والولوج إلى الخدمات الصحية الأساسية.
ومعلوم أن هذا المشروع اعلن عنه خلال شهر شتنبر 2025، على مساحة تقدر بخمسة هكتارات، بطاقة استيعابية تصل إلى 45 سريراً، يضم أقطاباً صحية تشمل صحة الأم والطفل، والجراحة العامة، والطب العام، والعلاجات المركزة. ورُصد لهذا المشروع غلاف مالي يناهز 125 مليون درهم، مع تحديد مدة إنجاز لا تتجاوز 20 شهراً، في أفق تعزيز العرض الصحي بإقليم سطات وتقريب الخدمات الطبية من ساكنة المناطق المجاورة.
وتكتسي هذه المنشأة الصحية أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للبروج، التي تبعد عن مدينة سطات بحوالي 73 كيلومتراً، وما يترتب عن هذه المسافة من أعباء التنقل بالنسبة إلى المرضى، ولا سيما الحالات التي تستدعي تدخلاً طبياً مستعجلاً. فبالنسبة إلى شرائح واسعة من ساكنة بني مسكين والمناطق القروية المحيطة بها، لا يتعلق الأمر بمجرد مشروع بناء، بل بمرفق صحي يُنتظر أن يخفف من معاناة التنقل، ويحد من المخاطر المرتبطة بتأخر الوصول إلى الخدمات العلاجية.
غير أن هذا المشروع، الذي استقبلته الساكنة بكثير من الآمال، بات يثير تساؤلات متزايدة بعد تسجيل توقف الأشغال للمرة الثانية، وفق المعطيات المتداولة محلياً. وكانت روايات متطابقة قد ربطت التوقف الأول بإشكالات تتعلق برسوم التراخيص الخاصة بالبناء، وهي معطيات تظل في حاجة إلى توضيح رسمي من الجهات المعنية، في ظل التكتم عن المعلومة ومحدودية إتاحتها بشأن الأسباب الحقيقية وراء تعثر الورش.
وإذا كانت ضرورة احترام المساطر القانونية والإدارية أمراً ضروريا ، فإن ذلك يطرح، في المقابل، أسئلة مشروعة حول مدى استكمال الترتيبات الإدارية والتقنية اللازمة قبل انطلاق الأشغال، وحول مسؤولية مختلف المتدخلين في تدبير هذا المشروع، وفي مقدمتهم الوكالة الوطنية للتجهيزات العامة (ANEP)، باعتبارها الجهة المعنية بإنجاز عدد من المشاريع والتجهيزات العمومية. كما تبرز الحاجة إلى توضيح أسباب التوقف، والآثار المحتملة لهذا التعثر على الجدولة الزمنية المحددة، والإجراءات المتخذة لضمان استئناف الأشغال في أقرب الآجال.
فالمشاريع العمومية لا تُقاس فقط بحجم الاعتمادات المالية المرصودة لها أو بالتصاميم المعلنة بشأنها، بل كذلك بمدى احترام آجال إنجازها وتحولها إلى مرافق فعلية تستجيب لحاجيات المواطنين. وأي تأخير غير مبرر في مشروع ذي طابع صحي يضاعف منسوب القلق لدى ساكنة تنتظر منذ سنوات تحسين العرض العلاجي وتخفيف الأعباء التي تفرضها محدودية البنيات الصحية وبعد المسافات.
ولا يمكن فصل تعثر هذا الورش عن السياق التنموي العام الذي تعيشه مناطق بني مسكين، حيث تتداخل إكراهات البنيات التحتية الأساسية، وضعف الربط الطرقي في عدد من المناطق القروية، مع انتظارات اجتماعية متراكمة. وهي مناطق تتوفر على مؤهلات طبيعية وجغرافية وبشرية، كما هو الشأن بالنسبة لجماعات دار الشافعي ، عين بلال، سيدي بومهدي، اولاد افريحة،بني خلوك،مسكورة، القراقرة ،اولاد فارس الحلة، اولاد بوعلي النواجة، اولاد عامر، وسيدي احمد الخدير، ما تزال في حاجة إلى مشاريع مهيكلة تترجم تلك المؤهلات إلى فرص تنموية ملموسة، وتضع تحسين ظروف العيش في صلب الأولويات.
وفي مقابل هذه الانتظارات، لا تزال المنطقة، بحسب ما تعكسه النقاشات المحلية، تعيش على إيقاع تجاذبات سياسية لا تجد الساكنة انعكاساً ملموساً لها في وتيرة التنمية وتحسين الخدمات الأساسية. وبين الحسابات السياسية وانتظارات المواطنين، تظل الحاجة قائمة إلى تغليب منطق المسؤولية المؤسساتية وربط التدبير العمومي بالنتائج، بعيداً عن أي اعتبارات قد تعطل مصالح الساكنة أو تؤجل الاستجابة لحاجياتها الأساسية.
واليوم، ومع توقف الأشغال مجدداً، وجمع المقاولة معداتها ومغادرتها الورش، الذي ظل مسيجاً بالأسلاك، تجد ساكنة البروج وبني مسكين نفسها أمام مشهد تختلط فيه خيبة الانتظار بقلق التأخير. فالمستشفى الذي كان يُفترض أن يشكل إضافة نوعية للمنظومة الصحية المحلية، ما يزال ورشاً مغلقاً بدل أن يكون مرفقاً صحياً يفتح أبوابه أمام المرضى.
وأمام هذا الوضع، يبقى السؤال المطروح بإلحاح: ما الأسباب الفعلية وراء توقف الأشغال للمرة الثانية؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا التعثر؟ ومتى تستأنف الأشغال وفق جدول زمني واضح ومعلن؟
أسئلة تنتظر أجوبة رسمية صريحة، لأن الحق في المعلومة يقتضي توضيح حقيقة ما يجري، ولأن ساكنة البروج وبني مسكين لا تنتظر مزيداً من الإعلانات عن المشاريع، و استغلال صورها في سياق انتخابي معين، بقدر ما تنتظر أن ترى هذه المشاريع مكتملة على أرض الواقع. فحين يتعلق الأمر بالصحة، لا تكون مدة الانتظار مجرد تأخير في إنجاز بناية، بل قد تتحول إلى عبء يومي تتحمله أسر ومرضى في منطقة ما تزال تتطلع إلى عرض صحي يستجيب لحاجياتها.

















