شهدت أشغال الدورة الأخيرة للمجلس الجماعي لسطات مشاهد غير مألوفة، طغى عليها ارتفاع منسوب التوتر وحدّة الخطاب لدى بعض الأعضاء، الذين ظهروا أمام عدسات الكاميرا وهم يعبّرون عن غضبهم بأساليب لافتة، وصلت أحيانًا إلى الصراخ والاحتجاج الحاد. غير أن هذه “الحمّى المفاجئة” تطرح أكثر من سؤال حول خلفياتها وتوقيتها، خاصة حين تصدر عن منتخبين ظلّوا، إلى وقت قريب، إما صامتين أو غائبين عن دورات مماثلة.
فالمتابع للشأن المحلي يلاحظ أن حضور بعض أعضاء المجلس لا يتسم بالانتظام المطلوب، بل يخضع في كثير من الأحيان لما يمكن وصفه بـ”المزاجية”، حيث يغيب البعض عن مناقشة قضايا جوهرية تهم الساكنة، ليظهروا فجأة في لحظات مشحونة، غالبًا ما تكون موثقة بالكاميرا، وكأن الهدف يتجاوز النقاش المؤسساتي نحو تسجيل مواقف قابلة للتداول على مواقع التواصل الاجتماعي.
هذا التحول في السلوك يثير تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام صحوة ضمير متأخرة تدفع بعض المنتخبين إلى ممارسة أدوارهم الرقابية بجرأة أكبر؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه استثمارًا ظرفيًا في “الفرجة السياسية”، حيث يتحول المجلس إلى منصة للاستعراض بدل أن يكون فضاءً للنقاش المسؤول وصناعة القرار؟
وفي مشهد لا يقل غرابة عن سابقه، برز سلوك آخر يثير الكثير من علامات الاستفهام، يتمثل في لجوء بعض الأعضاء إلى طرح أسئلة داخل أشغال الدورة، ثم مغادرة القاعة دون انتظار الردود أو التفاعل مع الأجوبة المقدمة. وهو سلوك يفرغ العملية التواصلية من مضمونها، ويحوّل السؤال من آلية للمساءلة والنقاش إلى مجرد حركة شكلية بلا أثر فعلي.
فما الغاية من طرح سؤال لا يُراد له أن يُناقش أو يُستمع إلى جوابه؟ وهل أصبح السؤال بدوره أداة للتوثيق والاستعراض فقط، بدل أن يكون مدخلًا للفهم والتتبع والمحاسبة؟
الأخطر من ذلك، أن هذا النوع من الممارسات قد يساهم في تعميق فجوة الثقة بين المواطن وممثليه، خاصة حين يغيب التوازن بين الخطاب والممارسة. فالمواطن الذي منح صوته للمنتخبين لا ينتظر منهم مشاهد الغضب أو رفع الصوت، بقدر ما ينتظر حلولًا واقعية، وترافعًا جادًا عن قضاياه اليومية، والتزامًا فعليًا بالحضور والمشاركة.
إن العمل داخل المجالس المنتخبة يقتضي قدرًا عاليًا من المسؤولية والانضباط، حيث لا يمكن اختزال الدور التمثيلي في لحظات انفعالية عابرة، أو في مواقف تُصاغ على إيقاع الكاميرا. بل إن جوهر الممارسة السياسية المحلية يكمن في الاستمرارية، والجدية، والقدرة على تحويل النقاش إلى قرارات وإجراءات ملموسة.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة طرح سؤال الأخلاقيات السياسية داخل المؤسسات المنتخبة: هل نحن أمام ممارسة ديمقراطية ناضجة قوامها الاختلاف المسؤول والنقاش المنتج؟ أم أننا بصدد انزلاق نحو شعبوية محلية، تُغذّيها الرغبة في الظهور أكثر من خدمة الصالح العام؟
ختامًا، يبقى الرهان الحقيقي على مدى قدرة أعضاء المجلس الجماعي على استعادة ثقة المواطنين، ليس عبر رفع الصوت داخل القاعات، بل عبر العمل الجاد خارجها، والوفاء بالتزاماتهم، والاقتراب من هموم الساكنة بشكل يومي. فالمصداقية لا تُبنى بالانفعال، بل تُراكم بالفعل والاستمرارية…
















