تظل صلاة الجمعة موعداً دينياً أسبوعياً عظيماً، يتمسك المغاربة بأدائها ويحرصون على إقامة هذه الشعيرة في مختلف الظروف والأحوال. ولعل الإقبال الكبير على المساجد كل يوم جمعة يعكس مكانة هذه الفريضة في وجدان المغاربة وارتباطهم ببيوت الله وبما تحمله من سكينة وبركة وروحانية.
غير أن هذا الإقبال الكبير، الذي يجعل بعض المساجد عاجزة عن استيعاب الأعداد الهائلة من المصلين، أصبح في عدد من الأماكن فرصة يستغلها بعض الباعة الجائلين لاحتلال محيط المساجد وعرض سلعهم، بما يرافق ذلك من فوضى وعشوائية وتراكم للأزبال وإعاقة لحركة المصلين.
وفي مسجد حي بام، كما هو الحال في عدد من المساجد، يصبح المشهد أكثر إثارة للاستغراب خلال أيام الصيف الحارة. فبينما يجلس الشيوخ وكبار السن والمصلون تحت أشعة الشمس الحارقة للاستماع إلى خطبة الجمعة وأداء الصلاة، تنعم بعض السلع المعروضة، من فواكه موسمية وغيرها، بالظل والحماية.
مشهد يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق: هل أصبح من الطبيعي أن يكون التين والفواكه أكثر حظاً في الظل من شيوخ المسلمين ومصليهم؟
إن الفضاء العمومي، سواء كان أمام مسجد أو في ساحة عمومية أو شارعاً أو مرفقاً عمومياً، يجب أن يخضع للقانون، وأن تطبق قواعده على الجميع دون استثناء. فدور السلطات ليس التفرج على المخالفات، وإنما تنظيم المجال العام والتدخل حين يتحول النشاط العشوائي إلى مصدر ضرر أو فوضى أو تهديد لسلامة المواطنين.
ولا ينبغي أن يتحول الأمر إلى خطاب يطلب من الشيخ والكهل والمريض أن يتحملوا حرارة الشمس فقط لأنهم جاءوا لأداء صلاة الجمعة، وكأننا نقول لهم: اصبروا، فأنتم في سبيل الصلاة، والله سيقبل صبركم.
فالدين الذي جاء برفع الحرج ودفع الضرر لا يمكن أن يكون مبرراً لإلحاق الضرر بالناس. وقد جاءت الشريعة الإسلامية بمقاصد عظيمة تجعل حفظ النفس من الضروريات الأساسية، كما شرعت الرخص والتخفيفات عند وجود المشقة والمرض والسفر.
ومن هنا، فإن حماية المصلين، خصوصاً كبار السن، من التعرض المفرط لأشعة الشمس، وتنظيم محيط المساجد، ومنع احتلال الممرات والفضاءات المخصصة للمصلين، ليست ترفاً ولا تضييقاً على أحد، بل هي مسؤولية قانونية وإنسانية وأخلاقية.
المطلوب هو وضع حد لهذه الفوضى، وتحرير محيط المساجد من مظاهر العشوائية، وضمان كرامة المصلين وسلامتهم، مع تطبيق القانون بحزم على كل من يحتل الملك العمومي أو يتسبب في تلويثه أو عرقلة حركة المواطنين.
فبيوت الله يجب أن تكون فضاءات للسكينة والعبادة، ومحيطها ينبغي أن يعكس النظام والاحترام، لا أن يتحول يوم الجمعة إلى سوق عشوائي يطغى فيه صوت البيع على قدسية المكان، وتصبح فيه سلامة الإنسان وراحة المصلين آخر ما يُفكَّر فيه.
احترام القانون لا يتعارض مع الدين، وحماية الإنسان لا تتناقض مع العبادة، وتنظيم الفضاء العمومي مسؤولية لا ينبغي أن يتنازل عنها أحد.
















