ذاكرة أخبار سطات: صحافيون في قلب الجائحة .. الحلقة الرابعة: هي فوضى ..

هيئة التحرير
2021-03-22T17:08:00+01:00
هنا سطات
هيئة التحرير22 مارس 2021آخر تحديث : الإثنين 22 مارس 2021 - 5:08 مساءً
ذاكرة أخبار سطات: صحافيون في قلب الجائحة .. الحلقة الرابعة: هي فوضى ..

هشام الأزهري وعبد الحميد كرام

مع الاعلان عن حالة الطوارئ الصحية، وتقييد حركة تنقل المواطنين في 19 مارس على أن يتم تنفيذها في السادسة مساء من اليوم الموالي، سيطر الهوس والخوف على الساكنة، العديدون كانوا يتوقعون الخطوة بسبب الاجراءات التي اتخذت خلال الأسبوع الذي سبق من توقيف لمجموعة من النشاطات والمهن، وإقرار الدراسة عن بعد، وأيضا للتطورات المتسارعة في مختلف بقاع العالم والمشهد بإيطاليا وأمريكا سيطر بقوة على الأذهان، فلا أحد يريد أن تصل الأمور لما وصلته خارج الحدود، وفي نفس الوقت لا أحد يتخيل أن يتم إغلاق أبواب منزله عليه وتنحصر علاقته بالعالم الخارجي في تصفح بيانات الهاتف النقال وشاشات التلفزة.

الفكرة في حد ذاتها كانت مرعبة للغاية، لكن الخطر المتربص بالحياة كان أكبر، فانتقل المواطن من عامل الصدمة الى طرح السؤال ما العمل ؟

خطر الفيروس ورعب فكرة الاغلاق خلفت هوسا للتسوق والتبضع بمختلف أسواق ومحلات الاقليم، ورغم أن بلاغ الحكومة كان حاسما في كون تزويد الاسواق المحلية بالسلع لن يتأثر وبأن هناك عرض كاف لشهور، لكن هذه التطمينات لم تصب هدفها وتحولت أبواب محلات بيع السلع الغذائية لطوابير طويلة من المواطنين وأغلبهم ينتظر اقتناء على الأقل ثلاث أضعاف من حاجياته من السلع الغذائية في الأيام العادية.

السوق الممتاز كما الأسواق الشعبية، تحولت كلها الى جحافل من المواطنين الباحثين عن التبضع، وحتى محلات البقالة الصغيرة لم تسلم من أجواء الفوضى على أبوابها رغم أن الحكومة أكدت بأن جميع المحلات المرتبطة بالمواد الغذائية لن تغلق الا في حدود السادسة من كل يوم، وكنتيجة منطقية لهذا “التهافت”، فقدت العديد من المواد من السوق وتحول البحث عنها الى رحلة اقتفاء أثر الكنز.

يومها وزعت وزميلي “عبد الحميد كرام” المهام فيما بيننا، تنقلت الى مدينة بن احمد لمعاينة الوضع هناك، وتكفل هو بتغطية الاحداث بمدينة سطات، على أن زميلنا “رشيد بنكرارة” متكفل بكفاءة عالية بتغطية الامور بالبروج، عدت مساء للمنزل وجدت طفلتاي تبكيان وتصرخان “بابا توحشنا معلماتنا بغينا نمشيو للمدرسة” وغير بعيد منهما زوجتي ترمقني بنظرات قاسية ومعاتبة: فين التقدية ؟ تصنعت الابتسامة وأجبت بحرج: “علاش بالسلامة غا تتقاداو الماكلة را كلش غا يبقى مفتوح وحنا كا نتقداو يوم الاحد من كل اسبوع يعني تا حاجة ما غا تتبدل”، لكن يبدوا أن كلماتي كانت زيتا صببته دون وعي على نار كانت متقدة ولم انتبه لها، وبالكاد انتبهت لقنينة الغاز أمام الباب، فعالجتني بدرس قاس حول التوازن بن العمل وحاجيات المنزل، وأخبرتني بأنها طيلة المساء تحمل قننة الغاز من محل لآخر في محاولة لاستبدالها لكن دون جدوى بعد أن اختفت “البوطا” من محلات سطات.

كان لهذا الحادث أثر نفسي كبير علي وأحسست بالذنب وتسارعت مجموعة من الأفكار المتطرفة داخل رأسي، مذا لو تسبب التهافت على المواد الغدائية في افتقادها من الأسواق مذا سأفعل بعائلة مكونة من أربعة أفراد؟ وبالفعل حملت قنينة الغاز وجلت جميع محلات المدينة لكن كانت مفقودة، أحسست بغضب كبير وفكرت أنه في ظرف ساعات قليلة فقدنا مادة حيوية فأين تطمينات الحكومة بوفرة العرض؟ أجلت التفكير في الأمر وقررت التوجه لطريق ولاد سعيد حيث يتواجد مخزن لتعبئة أنابيب الغاز، انتظرت حوالي ساعة من الزمن قبل أن أنال قنينة أحسست ساعتها بأنها كنز حقيقي وضعتها بحقيبة السيارة ورمقت بسخرية كيس الفحم الذي كنت قد اشتريته استعدادا للخطة “باء” ولعنت الحكومة بحنق، قبل أن أقرر استقصاء الموضوع، ركبت رقم هاتف ديوان السيد العامل، ولم أمهل الطرف الآخر الكثير من الوقت وأنا أعبر عن استغرابي وحنقي من عدم توفير السلطات الاقليمية لجميع المواد التي يحتاجها المواطن قبل دخول الحجر المنزلي، ولم يبد بأني المحتج الوحيد فقد سبقني كثيرون برلمانيون ومنتخبون واعلاميون ومواطنون عاديون، فأخبرني محدثي بأن الأمر ليس مرتبط بقلة العرض لكن العديد من المواطنين سامحهم الله اشتروا قنينات الغاز بوفرة وخزنوها داخل بيوتهم حتى طرح مشكل الانابيب الفارغة حيث لم تعد تجد شاحنات نقل قنينات الغاز أنابيب لتعيدها للمخازن من أجل إعادة تعبئتها..

قفلت عائدا للمنزل بغنيمتي (قنينة الغاز)، وفي الطريق هاتفني “عبد الحميد” ليخبرني بأنه تكفل ب “تقدية” الاسبوع لعائلتينا بعد معركة انتظار لأكثر من ساعتين أمام البقال، فتنفسنا الصعداء معا بعد أن أنقذ “حميد” الموقف في اللحظات الأخيرة، فرغم ثقتنا في تصريح الحكومة، لكن اختفاء بعض المواد الغذائية من السوق في وقت قياسي أدخل بعض الشك في نفوسنا.  

تحولنا لصفحة “أخبار سطات” على الفاسبوك، وجهنا نداء قويا وقاسيا لضرورة ضبط النفس والتوقف عن “اللهطة” في التسوق، وسقنا أمثلة لعائلات وجدت نفسها بدون حليب أو غاز للطهي بسبب تكديس بعض الحمقى لشهر من المواد داخل منازلهم فكان التفاعل قويا وبالآلاف حول منشورنا.

كانت الساعات القليلة التي سبقت تطبيق قرار الاغلاق التام صعبة للغاية، ورغم أن شوارع وأحياء مدن سطات بن احمد والبروج كانت غاصة بالمواطنين لكن المشهد كان غرائبيا للغاية، أغلب المواطنين يهيمون في الشوارع بسحنات وجوه صارمة حتى لا نقول متوترة، الجميع يبدوا عليه الاستعجال، اختفت التجمعات الاعتيادية وحركة مرور السيارات شهدت اختناقا قويا في أغلب المحاور الطرقية، كان الجميع منشغل بتفقد ما يحتاجه بيته والبحث عنه داخل المحلات، تحولت الشبابيك الالكترونية أمام الوكالات البنكية الى محطات انتظار طويلة، وساحة البريد الى تجمع ضخم للمواطنين في انتظار صرف أموالهم مما جعل السلطات ترسل على عجل وحدة من القوات المساعدة لتنظيم الولوج للبريد.

اللافت أن حمى التسوق لم تستثن فئة اجتماعية دون غيرها، وعدد كبير من المواطنين وضعوا جميع مدخراتهم في سلة الغداء الخاصة بالحجر المنزلي، وأضحوا على حافة المجهول في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، خصوصا إذا ما استحضرنا أن قرارات توقيف مجموعة من النشاطات والمهن رمت بشكل مباشر بالعديدين الى دائرة العوز والخصاص.

لم يكن حظنا في “أخبار سطات” أفضل من المهن والنشاطات التي تم توقيفها أو القطاعات التي تضررت، فبين عشية وضحاها الغيت جميع العقود الاشهارية التي كانت تربطنا بمؤسسات خاصة في إطار الاشهار، ووجدنا أنفسنا مطالبين بالصرف من مدخراتنا من أجل استمرار الجريدة، فكان اقتراح تجميد العمل والدخول في الحجر المنزلي مع عائلاتنا والاكتفاء بالتغطية “عن بعد”، كما فعل العديدون.

لكن السادسة مساء من يوم الجمعة 20  مارس، شكلت لحظة فارقة في تعاطينا مع تغطية الجائحة، الشوارع فارغة حركة ضعيفة للسيارات، وتجمع كبير لأطر وأعوان السلطة المحلية وعناصر الأمن والقوات المساعدة قرب مدارة الحصان، تأملنا بصمت ما يحدث أمامنا، كل هؤلاء الأشخاص، تركوا أسرهم وخرجوا من أجل تأدية الواجب، تذكرنا أنه بمصلحة العزل داخل المستشفى أصدقاء لنا يوسف رضوان عبد الواحد وآخرون يجابهون الفيروس بشجاعة بعد أن انعزلوا عن أسرهم، حتى أن رفيق الدرب يوسف زروقي واحد من فرساء الوزرة البيضاء ودع زوجته ووالديه وشقيقه وانعزل بشكل تام عن المجتمع وأضحت كل حياته تتمحور حول اللباس الأبيض داخل مصلحة الحجر الصحي وحين ينتهي من الواجب يعود مهرولا لمنزله حتى لا يلتقي أحدا، نفس الأمر لباقي جنود الصف الأمامي داخل المستشفى انطلاقا من الدكتور رقيب المدير السابق للمستشفى والذي هجر مكتبه ولبس البدلة البيضاء وانضم لفريق التدخل داخل مصلحة العزل الطبي، وآخرون مثل الدكتور “انحيلة” الملاك الأبيض كما أصبحت سطات تلقبه، وباقي الأطباء والممرضين، والتقنيين في الاسعاف محمد كلفاض جوكر المستشفى والذي كنا نصادفه داخل سيارة الاسعاف داخل الاحياء يبحث عن عناوين المخالطين من أجل نقلهم للمستشفى وبجانبه شبان دائمي الابتسامة والعطاء رفيق وجمال ..

تأملنا في وجوه شباب في عمر الزهور يلبسون بفخر زي القوات المساعدة، وفي أعينهم نظرات التحدي، عناصر الأمن والذين ما ينهون مهمة الا ليبدؤوا أخرى بفخر واعتزاز وضمير عال ..

تأملنا كل جنود الصف الأمامي هؤلاء، وفي لحظة التقت عينانا أنا وزميلي “عبد الحميد كرام”، فتبين أننا فكرنا في الأمر نفسه ” لا يمكن أن نكون أقل وطنية وإنسانية من هؤلاء الأبطال، لن نخذل رسالتنا الإعلامية النبيلة..

عذرا مارية، فاطمة الزهراء وياسمين، سنكون جزء من معركة مواجهة الوباء وسنواكب هذه الحرب كجزء منها .. من حق ساكنة الاقليم أن يعرفوا كل شئ عن كل شيئ وهم داخل الحجر المنزلي ..

وهو ما كان لم ندخل الحجر المنزلي وانخرطنا في تغطية الأحداث في أكثر الأماكن خطرا للتعرض بالفيروس فكانت لحظات إنسانية لن ننساها ما حيينا ..

يتبع ..

الحجر المنزلي بإقليم سطات أهم دروس الحياة ..     

في الحلقات السابقة

ذاكرة أخبار سطات.. صحافيون في قلب الجائحة .. الجزء 1 : قبل العاصفة

ذاكرة أخبار سطات : صحافيون في قلب الجائحة .. الحلقة الثانية : الحيرة

ذاكرة أخبار سطات: صحافيون في قلب الجائحة .. الحلقة الثالثة: الهوس

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.